عثمان بن جني ( ابن جني )
39
سر صناعة الإعراب
وأنشدني أبو علي : يا أبجر بن أبجر يا أنتا * أنت الذي طلّقت عام جعتا قد أحسن اللّه وقد أسأتا « 1 » فقال : طلّقت ، ولم يقل : طلّق ، وله نظائر . قال أبو عثمان في كتاب الألف واللام : ولولا أنّا سمعناه من الثقة يرويه لما أجزناه . فهذه أحوال اللام في الذي وبابه . وأما اللّات والعزّى فذهب أبو الحسن « 2 » إلى أن اللام فيهما زائدة . والذي يدل على صحة مذهبه أن اللات والعزّى علمان بمنزلة يغوث « 3 » ، ويعوق « 4 » ، ونسر « 5 » ، ومناة « 6 » ، وغير ذلك من أسماء الأصنام ، فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها إلى اللام ، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت ، فجعلت أعلاما ، وأقرّت فيها لام التعريف على ضرب من توهّم روائح الصفة فيها ، فتحمل على ذلك ، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة ، ويؤكد زيادتها فيها أيضا لزومها إياها كلزوم لام الآن والذي ، وبابه .
--> ويقول المهلهل : إنني قتلت بكرا وتركت تغلب بعد أن قتلت أكبر وأهم الشخصيات فيها فتركتها بغير سنام ، والبيت خبري تقريري . والبيت نسبه صاحب المقتضب إلى المهلهل وهو عدي بن ربيعة . انظر / المقتضب ( 4 / 132 ) . ( 1 ) يقول الشاعر : إنك يا أبجر طلقت زوجتك عام جعت وهذا ليس بالغريب عليك فقد أحسن اللّه لك وأنت أسأت . وقوله ( يا أبجر ) أسلوب إنشائي في صورة نداء غرضه التوبيخ والتحقير . وقوله ( قد أحسن . . . ) أسلوب توكيد ، ويؤكد على إحسان اللّه له رغم ما فيه من إساءة . الشاهد قوله : ( طلقت ) ولم يقل ( طلق ) . الأبيات نسبها صاحب الخزانة إلى سالم بن دارة الغطفاني . ( 2 ) أبو الحسن : الأخفش ، وقد ذكر ذلك في كتابه معاني القرآن ( ص 11 ) . ( 3 ) يغوث : صنم كان لمذحج ، وقيل : لقوم نوح . ( 4 ) يعوق : اسم صنم كان لكنانة . ( 5 ) نسر : صنم كان لذي الكلاع ، وهم قوم يقطنون أرض حمير . ( 6 ) مناة : صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة .